الشنقيطي

16

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

بعضهم : تكمل شهادتهم قائلا : إنه لا تنافي بين الشهادتين ، لإمكان أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين أحد القميصين ، وتركا ذكر الآخر . فيكون الجميع صادقين . لأن أحد الثوبين الذي سكت عنه هذان هو الذي ذكره ذانك كعكسه : فلا تنافي ، ويمكن أن يكون عليها هي قميص أحمر . وعليه هو قميص أبيض كعكسه أو عليه هو ثوب كتان ، وعليها هي ثوب خز كعكسه فيمكن صدق الجميع . وإذا أمكن صدقهم فلا وجه لرد شهادتهم . وبهذا جزم صاحب المغني موجها له بما ذكرنا . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لنا في هذا الفرع هو وجوب استفسار الشهود . فإن جزم اثنان بأن عليه ثوبا واحدا أحمر ، وجزم الآخران أن عليه ثوبا واحدا أبيض لم تكمل شهادتهم لتنافي الشهادتين ، وإن اتفقوا على أن عليه ثوبين مثلا أحدهما أحمر ، والثاني أبيض ، وذكر كل اثنين أحد الثوبين فلا إشكال في كمال شهادتهم ، لاتفاق الشهادتين ، وإن لم يمكن استفسار الشهود لموتهم ، أو غيبتهم غيبة يتعذر معها سؤالهم . فالذي يظهر لي عدم كمال شهادتهم ، لاحتمال تخالف شهادتيهما ، ومطلق احتمال اتفاقهما لا يكفي في إقامة الحد ، لأن الحد يدرأ بالشبهات ، فلا يقام بشهادة محتملة البطلان ، بل الظاهر من الصيغة اختلاف الشهادتين والعمل بالظاهر لازم ما لم يقم دليل صارف عنه يحب الرجوع إليه . والذي يظهر أنهم إن لم تكمل شهادتهم يحدون حد القذف . أما في الشهادة المحتملة فإنه قبل إمكان استفسارهم ، فلا إشكال في عدم إمكان حدهم وإن أمكن استفسارهم ، فإن فسروا بما يقتضي كمال شهادتهم حد المشهود عليه بشهادتهم ، وإن فسروا بما يوجب بطلان شهادتهم . فالظاهر أنهم يحدون حد القذف كما قدمنا . والعلم عند اللّه تعالى . الفرع السابع : [ إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة ، وشهد اثنان . . . ] إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة ، وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة ، فلا حد على المرأة إجماعا ، لأن الشهادة عليها لم تكمل على فعل موجب للحد ، وإنما الخلاف في حكم الرجل والشهود . قال ابن قدامة في المغني : وفي الرجل وجهان . أحدهما : لا حد عليه ، وهو قول أبي بكر ، والقاضي وأكثر الأصحاب ، وقول أبي حنيفة ، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي ، لأن البينة لم تكمل على فعل واحد ، فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة ، ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين ، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين ، وذلك يمنع قبول الشهادة ، أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذبا للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما ، مكرهة في الآخر ، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد ، ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها ، ولم تكمل البينة عليها ، فلا تقبل شهادتهما على غيرها .